Latest News

تزييف النصوص الدينية واستخدامها لتبرير العنف وكيفية مواجهتها

 تناقش هذه الورقة البحثية للأستاذ ابراهيم صلاح الهدهد ظاهرة  من أخطر الظواهر التي تعيشها المنطقة والعالم أجمع ألا وهي ظاهرة الإرهاب التي انتشرت في الآونة الأخيرة، فقد نجحت الجماعات المتشددة والمتطرفة، وبالتحديد داعش، في استقطاب الشباب المربك، مستغلة في ذلك المتغيرات السياسية من حوله من ناحية، وقلة علمه ودرايته بجوهر دينه من ناحية أخرى، ومستثمرةً أيضاً الانتشارالمجاني” الواسع لوسائل الإعلام الجديد في تغطية عمليات الإرهاب والدعاية والتسويق لتلك الجماعات على أوسع نطاق، حتى أصبح العالم كله مشغول بالجرائم الإرهابية والمذابح الجماعية التي يرتكبها تنظيم داعش كل يوم، ويسجلها بالصوت والصورة، ولا تخلو هذه الفيديوهات من آيات قرآنية وأحاديث نبوية يساء فهمها بحجج ومزاعم واهية.

ومن هنا يقع على عاتق وسائل الإعلام – وفي القلب منها شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي التي يتسلل منها هؤلاء الجُهّال إلى عقول الشباب – جزء كبير من مسئولية تشكيل العقل النقدي؛ لتصبح أداة للتفكير الخلاق، كذلك أداء الدور التنويري المعرفي لمعالجة هذه القضية الخطيرة باعتباره البداية الحقيقية لتجديد الخطاب الديني، وتبدو أهمية التفكير النقدي في كونه أكثر الوسائل فاعلية لمواجهة حملات الخداع والتضليل ورفع الوعي الإعلامي للجماهير ضد جماعات تزيف الدين ونصوصه، بيد أنه لا يمكن اكتشاف زيف هذه الحجج إلا لو قرأنا النصوص الدينية سواء كانت آيات قرآنية أو أحاديث نبوية قراءة صحيحة، وإلا وقعنا في الفخ الذي ينصبه قادة الجماعات التكفيرية والإرهابية وهو اللجوء للقياس الخاطئ والتأويل المنحرف للنصوص .

وتتناول الورقة مجموعة من النصوص الدينية التي تستخدمها الجماعات الإرهابية، وبيان ردها بالحجة والبرهان؛ حيث ترجع أفكار التطرف إلى مجموعة أصول تتمثل فيتكفير المسلم بارتكابه المعاصي، وقد فنّد البحث هذا الزعم بأن الإيمان هو اعتقاد وإقرار وعمل، لكنهم يرون أن الاعتقاد هو أصل الإيمان، وأن الإقرار هو تعبير عنه، وعلامة عليه، يتمكن بها المجتمع من إجراء أحكام الإيمان على المتلفظ به، وأن العمل هو شرط كماله، فإذا انتفى العمل انتفى كماله دون أصله، بل إن المسلمين في حال الاقتتال لم يرفع الله عنهم صفة الإيمان.

كما أنهم يستخدمون آيات الحكم بما أنزل الله على غير وجهها، وتكفير الحكّام والمحكومين بناء على فهم مغلوط، وقد رد الكاتب على ذلك بأن الحاكمية تعني أن مصدر الأحكام في الشريعة الإسلامية لجميع المكلفين هو الله – تعالى – وحده، إلى جانب استخدام الآيات الوارد فيها لفظ الجاهلية في الحكم على المجتمع بأنه مجتمع جاهلي (كافربسبب ظهور المعاصي فيه، وقد رد على هذا الزعم بأن إضافة الشئ إلى الجاهلية أو وصفه به لا يدل على الكفر، وإلا كان أبو ذر كافرًا.

ويختزل المتشددون مفهوم الجهاد في القتال ومفهوم القتال في القتل، والجهاد القتالي في جهاد الطلب؛ والرد على ذلك أن الجهاد عند الفقهاء نوعانجهاد الطلبوبعد أن فرض الجهاد لم يرد أن الصحابة ـ رضي الله عنهم – وهم أفضل جيل عرفته البشرية ـ ذهبوا إلى مجتمع الكفار يقتلونهم أبدًا إلا بجهاد له راية من ولي قادر على الجهاد، وجهاد الدفعوهو أمر تفرضه الحاجة للدفاع عن الأوطان وسيادة الدول، وهو ما استقرت عليه القوانين الدولية.

كما أنهم يزعمون وجوب قتل غير المسلمين في البلاد غير الإسلامية، وهجر أوطانهم، والهجرة منها باعتبارها دار حرب إلى دولة داعش باعتبارها دار إسلام، كالذي يحدث في بلاد أوروبا بناء على فهم غير صحيح لدار الكفر (دار الحرب)، وقد ردّ الكاتب ذلك بأن تقسيم الفقهاء لم يُقصد به إخراج المسلمين المقيمين في غير الدول الإسلامية من الإسلام، وإنما هو تقسيم لانبناء أحكام عليه، كالتقسيم السياسي لمناطق الكرة الأرضية تمامًا، والغرض منه إسعاف غير المسلم بالأحكام الشرعية في بلده وفي غير بلده.

والطامة الكبرى في زعمهم استهداف المسلمين المخالفين ومساجدهم، واستهداف غير المسلمين بتفجير النفس واعتبار ذلك شهادة في سبيل الله، وقد رد هذا الزعم بأنه يترتب على هذه العمليات قتل الألوف من المسلمين وسبي نسائهم، وتخريب أوطانهم، وما أحداث أفغانستان عنا ببعيد بعد تفجير برجي التجارة العالمية بأمريكا، ومن يومها يذوق المسلمون الويل في بلاد أمريكا وأوروبا، ناهيك عن تشويه صورة الإسلام عند غير المسلمين.

كما أن نصوص الكتاب والسنة أكدت حرمة قتل غير المسلم الذي أعطي عهد أمان، وأكدت حفظ العهودفالإسلام يأمرنا بحفظ العهود والعقود، والاتفاقات الدولية في إطاراتها الحديثة تعد عقودًا يجب حفظها، هذا مع غير المسلمين، فكيف تستبيح بعض الجماعات المحسوبة على الإسلام دم المسلمين.

ومن حججهم الواهية أنهم يعتقدون في وجوب هدم الآثار والاعتداء على الحضارة الإنسانية باعتبارها أصنامًا وأشياء كفرية، والتقرب بذلك إلى الله – كما حدث من الدواعش، وقد ردّ الكاتب زعمهم هذا ببقاء الآثار في البلاد التي فتحها المسلمون الأوائل في العهود الراشدة، وكانت تلك الفتوحات بقيادة الصحابة – رضوان الله عليهم – وهم أفضل جيل عرفته البشرية، كما أمر القرآن بالسير في الأرض للاعتبار بآثار السابقين، والقياس، وقد ثبت في السنة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد مرّ بمدائن صالح في غزوة تبوك، ولم يأمر بهدم أي أثر، فهل غاب عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يأمر بهدم تلك الآثار الباقية إلى يوم الناس هذا.

وفي ضوء ماسبق تدور تلك الورقة بشيء من التفصيل لتعالج تلك الظاهرة شديدة الخطورة من جذورها، وذلك بالحجج والبراهين والأدلة العلمية وفق المنهج النقدى.

Connect with us on Facebook